أحمد مصطفى المراغي
95
تفسير المراغي
وكف الأيدي من الاعتداء ، وإقامة الصلاة والخشوع للّه ، وإيتاء الزكاة التي تمكّن الإيمان في القلوب ، وتشد أواصر التراحم بين الخلق ، وقد كانوا من قبل ذوى إحن وأحقاد وتخاصم وتلاحم وحروب مستمرة ، فلما جاء الإسلام أحبوا أن يكتب عليهم القتال ليسيروا على ما تعودوه ، ولكن حين كتب عليهم كرهه الضعفاء منهم وخافوا أن يقاتلهم الكفار وينزلوا بهم النكال والوبال ، كما خافوا أن ينزل اللّه بهم بأسه وعقابه بل رجح خوفهم من الناس على خوفهم من اللّه . ثم بين شدة هلعهم من القتال فقال حكاية عنهم : ( وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ) أي وقالوا ربنا لما ذا كتبت علينا القتال في هذا الوقت ؟ هلا أخرتنا حينا من الدهر نموت حتف أنوفنا موتا طبيعيا ، وربما لا يكونون قد قصدوا وقتا معينا بل قصدوا من ذلك الهرب والتفصي عن القتال كما تقول لمن يرهقك عسرا في أمره : أمهلني قليلا ، أنظرني إلى أجل . وقد أمر اللّه رسوله أن يردّ عليهم شبهتهم فقال : ( قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى ) أي إن طلبكم للإنظار إنما هو خشية الموت والرغبة في متاع الدنيا ولذاتها ، مع أن كل ما يتمتع به في الدنيا فهو قليل بالنسبة إلى متاع الآخرة ، لأنه محدود فان ، ومتاع الآخرة كثير باق ولا يناله إلا من اتقى اللّه وابتعد عن الأسباب التي تدنس النفس بالشرك والأخلاق الذميمة ، فحاسبوا أنفسكم واعلموا أنكم ستجزون بأعمالكم إن خيرا فخير وإن شرا فشر . ( وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا ) أي ولا تنقصون من الجزاء على أعمالكم مقدار فتيل - والفتيل ما يكون في شق نواة التمر مثل الخيط ، وبه يضرب المثل في القلة والحقارة - . ثم رغبهم في القتال وبين لهم أن الموت مصير كل شئ فقال : ( أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ) أي إن الموت أمر محتم لا مهرب منه ، فهو لا بد أن يدرككم في أي مكان ولو تحصنتم في شواهق القصور التي يسكنها ذوو الثراء والنعمة أو في القلاع والحصون التي تقطنها حامية الجند ، وإذا كان الموت لا مفر منه ، وكان المرء قد يقتحم غمار الوغى ، ولا يصاب بالأذى ، وقد يموت